نحو عالم افضل

2013-04-29 محمد الغزالي 4,363

نحو عالم أفضل


 إن الإسلام جاء لينتقل بالبشر خطوات فسيحات إلى حياة مشرقة بالفضائل والآداب، وأنه اعتبر المراحل المؤدية إلى هذا الهدف النبيل من صميم رسالته، كما أنه عد الإخلال بهذه الوسائل خروجا عليه وابتعادا عنه. فليست الأخلاق من مواد الترف، التى يمكن الاستغناء عنها، بل هى أصول الحياة التى يرتضيها الدين، ويحترم ذويها.. وقد أحصى الإسلام بعدئذ الفضائل كلها، وحث أتباعه على التمسك بها واحدة واحدة. ولو جمعنا أقوال صاحب الرسالة فى التحلى بالأخلاق الزكية لخرجنا بسفر لا يُعرف مثله، لعظيم من أئمة الإصلاح. وقبل أن نذكر تفاصيل هذه الفضائل، وما ورد فى كل منها على حدة، نثبت طرفا من دعوته الحازة، إلى محامد الأخلاق، ومحاسن الشيم. عن أسامة بن شريك قال: كنا جلوسا عند النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ كأنما على رءوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: "أحسنكم خلقا" . وفى رواية: "ما خيرُ ما أُعطى الإنسان؟ قال: خلق حسن" . وقال: "إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام فى شىء، وإن أحسن الناس إسلاما، أحسنهم خلقا". وسئل: "أى المؤمنين أكمل إيمانا ؟ قال: أحسنهم خلقا" . وعن عبد الله بن عمرو: سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ألا أخبركم بأحبكم إلىَّ، وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة؟ ـ فأعادها مرتين أو ثلاثا ـ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: أحسنكم خلقا " . وقال: "ما من شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، إن الله يكره الفاحش البذىء. وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة" . ص 014

هذا التصريح لو صدر عن فيلسوف يشتغل بشئون الإصلاح الخلقى فحسب لما كان مستغربا منه، إنما وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير. والأديان ـ عادة ـ ترتكز فى حقيقتها الأولى على التعبد المحض. ونبى الإسلام دعا إلى عبادات شتى، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين، فإذا كان ـ مع سعة دينه، وتشعب نواحى العمل أمام أتباعه ـ يخبرهم بأن أرجح ما فى موازينهم يوم الحساب، الخلق الحسن. فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق فى الإسلام لا تخفى.. والحق أن الدين إن كان خلقا حسنا بين إنسان وإنسان، فهو فى طبيعته السماوية صلة حسنة بين الإنسان وربه، وكلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة. إن هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما، يمحو الذنوب، وأن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا. لكن الإسلام لا يقول هذا، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورا لعمل الخير. وأداء الواجب، وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا من السوء. وإعدادا للكمال المنشود، أى أنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التى يضطلع بها الإنسان، ويرقى صعدا، إلى مستوى أفضل. وقد حرص النبى على توكيد هذه المبادئ العادلة، حتى تتبينها أمته جيدا، فلا تهون لديها قيمة الخلق، وترتفع قيمة الطقوس. عن أنس قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة، وأشرف المنازل. وانه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلق أسفل درجة فى جهنم". وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : "إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " وفى رواية: "إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار" . وعن ابن عمر: سمعتُ رسول الله يقول: "إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله، بحسن خلقه وكريم طبيعته " . وروى أبو هريرة عن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : "كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه ". ص _015

وروى عنه أبو ذر : "قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان ، وجعل قلبه سليماً ، ولسانه صادقاً ، ونفسه مطمئنة ، وخليقته مستقيمة" * * * وحسن الخلق لا يؤسس فى المجتمع بالتعاليم المرسلة ، أو الأوامر والنواهى المجردة ، إذ لا يكفى فى طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره : افعل كذا ، أو لا تفعل كذا . فالتأديب المثمر يحتاج إلى تربية طويلة ، ويتطلب تعهدا مستمرا. ولن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ، فالرجل السيئ لا يترك فى نفوس من حوله أثراً طيبا. وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه، فيروعها أدبه، ويسببها نبله ، وتقتبس - بالإعجاب المحض - من خلاله، وتمشى بالمحبة الخالصة فى آثاره. بل لابد - ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل - أن يكون فى متبوعه قدر أكبر ، وقسط أجل. وقد كان رسول الإسلام بين أصحابه مثلاً أعلى للخلق الذى يدعو إليه ، فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامى ، بسيرته العاطرة ، قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات.. عن عبد الله بن عمرو قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن فاحشا ولا متفحشا ، وكان يقول : "خياركم أحاسنكم أخلاقا " وعن أنس قال : خدمت النبى - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين ، والله ما قال لى : أف قط ، ولا قال لشيء : لمَ فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا وعنه : إن كانت الأمَةُ لتأخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتنطلق به حيث شاءت، وكان إذا استقبله الرجل فصافحه ، لا ينزع يده من يده ؛ حتى يكون الرجل ينزع يده ، ولا يصرف وجهه عن وجهه ؛ حتى يكون الرجل هو الذى يصرفه ، ولم يُرَ مُقدِّمًا ركبتيه بين يدى جليس له - يعنى أنه يحتفظ مع جلسائه فلا يتكبر - ص _016

وعن عائشة قالت: ما خير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفسه فى شىء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم، وما ضرب رسول الله شيئا قط بيده ، ولا امرأة ولا خادما، إلا أن يُجاهد فى سبيل الله تعالى" . وعن أنس: كنت أمشى مع رسول الله وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركه أعرابى فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وقد أثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لى من مال الله الذى عندك فالتفت إليه رسول الله، وضحك، وأمر له بعطاء . وعن عائشة: قال رسول الله: "إن الله رفيق، يحب الرفق، ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على سواه وفى رواية: "إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه، ولا ينزع من شىء إلا شانه". وعن جرير أن النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "إن الله عز وجل ليعطى على الرفق ما لايعطى على الخرق ـ الحمق ـ وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير كله " وسئلت عائشة: ما كان رسول الله يفعل فى بيته؟ قالت: "كان يكون فى مهنة أهله حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة" . وعن عبد الله بن الحارث: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وعن أنس: كان رسول الله أحسن الناس خلقا، وكان لى أخ فطيم، يُسمى أبا عمير، لديه عصفور مريض اسمه النُّغير، فكان رسول الله يلاطف الطفل الصغير ويقول له: يا أبا عمير، ما فعل النُّغير والمعروف فى شمائل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان سمحا لا يبخل بشىء أبدا، شجاعا لا ينكص عن حق أبدا، عدلا لا يجور فى حكم أبدا، صدوقا أمينا فى أطوار حياته كلها. ص _017

وقد أمر الله المسلمين أن يقتدوا به فى طيب شمائله وعريق خلاله فقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا). قال القاضى عياض : كان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله راجعا، قد سبقهم إليه واستبرأ الخبر، على فرس لأبى طلحة عُرْى، والسيف فى عنقه، وهو يقول: لن تُراعوا. وقال على رضى الله عنه : إنا كنا ـ إذا حمى البأس واحمرت الحدق ـ نَتَّقى برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فما يكون أحد أقرب إلى عدو منه. وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: ما سئل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : لا. وقد قالت له خديجة: "إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق". وحمل إليه سبعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلا، حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله، فقال له: ما عندى شىء، ولكن ابتع علىَّ، فإذا جاءنا شىء قضيناه، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه! فكره النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذى العرش إقلالا ، فتبسم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وعُرف البشر فى وجهه، وقال: بهذا أُمِرتُ. وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يؤلف أصحابه ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم. ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خلقه. يتفقد أصحابه ويعطى كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه مَن جالسه، أو قاربه لحاجة صابرهُ، حتى يكون هو المنصرف عنه. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول. قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده فى الحق سواء. وكان دائم البشر، سهل الطبع، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش ولا عتَّاب، ولامدَّاح، يتغافل عما لا يشتهى، ولا يقنط منه قاصده. ص _018
وعن عائشة رضى الله عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله، ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال : لبيك. وقال جرير بن عبد الله رضى الله عنه : ما حَجَبَنى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ أسلمت، ولا رآنى إلا تبسم. وكان يمازح أصحابه، ويخالطهم ويجاريهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم فى حجره. ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى فى أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. قال أنس: ما التقم أحد أذن رسول الله يعنى، ناجاه فينحى رأسه حتى يكون الرجل هو الذى ينحى رأسه، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر، وكان يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة. لم يُرَ قط مادّاً رجليه بين أصحابه فيضيق بهما على أحد. يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التى تحته، ويعزم عليه فى الجلوس عليها إن أبى. ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. وعن أنس: " كان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أتى بهدية قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب خديجة ". وعن عائشة قالت: ما غرتُ على امرأة، ما غرتُ على خديجة، لما كنتُ أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها، وأستأذَنَت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهش لها وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت قال : " إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان". وكان يصل ذوى رحمه، من غير أن يُؤثرهم على من أفضل منهم. وعن أبى قتادة: لما جاء وفد النجاشى قام النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخدمهم، فقال له أصحابه : نكفيك، فقال : إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم. وعن أبى أمامة قال: خرج علينا رسول الله متوكئا على عصا، فقمنا له فقال: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم، يُعظم بعضهم بعضا. ص _019
وقال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد " وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. وحج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رحل رث عليه قطيفة ما تساوى أربعة دراهم، فقال : " اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة ". ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين، طأطأ رأسه على راحلته حتى كاد يمس قادمته تواضعا لله تعالى. وكان كثير السكوت لا يتكلم فى غير حاجة، يُعرض عمن تكلم بغير جميل. وكان ضحكه تبسما، وكلامه فصلا، لا فضول فيه ولا تقصر. وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرا له واقتداء به. مجلسه مجلس حلم وخير وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، ولا تخدَش فيه الحرم. إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير. وإذا مشى مشى مجتمعا، يعرف فى مشيته أنه غير ضجر ولا كسلان. وقال ابن أبى هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر. وقالت عائشة: كان يُحدِّث حديثا لو عده العادُّ أحصاه. وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ يُحب الطيب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرا. وقد سيقت إليه الدنيا بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها، فأعرض عن زهرتها، ومات ودرعه مرهونة عند يهودى، فى نفقة عياله.. ! ص _020

انشر هذه المادة: facebook twitter

أعلى top الصفحة

 
تابِع @NabilAlawadhy