وانتصف رمضان

2016-06-19 als 632

الحمد لله الرحمن الرحيم ، العزيز العليم ، الذي يسر كلا لما خلق له ، وجعل الأعمال بالخواتيم .

أحمده سبحانه ، قسم عباده إلى : طائع ولئيم ، وضال عن الهدى ومستقيم ، وجعل مآلهم إلى : دار نعيم أو دار جحيم .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، } يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، وخيرته من خلقه ، صلى الله عليه ، وعلى آله وأصحابه ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .

أما بعد ، عباد الله :

تقوى الله U ،ومحاسبة النفس عليها ، في هذه الأيام له طابع خاص ، فالصيام في شهر رمضان فرضه الله U من أجل التقوى ، كما قال تعالى : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ { يقول ابن سعدي في تفسيره : إن الصيام من أكبر أسباب التقوى .

فالتقوى ـ أيها الأخوة ـ وقد مضى نصف شهر رمضان ، هي الأمر الأهم ، في مراجعة المرء لحساباته مع نفسه ، ليتدارك تقصيره ، ويجتهد فيما بقي من عمره ، ولذلك جعلها الله U وصيته للأولين والآخرين ، فقال تعالى } وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا { .

أيها الأخوة المؤمنون :

مضى نصف شهر رمضان ، وبعضنا حاله في هذه الأيام كحاله قبل رمضان ، والسبب عدم مبالاته ، بشهر ليس كغيره من شهور العام ، لا فرق عنده بينه وبين رجب وشعبان ، فحري بمن كانت هذه حاله ، أن يتدارك نفسه ، ويستغل ما بقي من شهره ، وليحذر أن يكون من الذين يحرمون بركة وفضل شهر رمضان ، الذين حظهم منه رغام أنوفهم ، كما قال r في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة t : (( ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له )) .

نعم ـ أخوتي في الله ـ خيرات هذا الشهر وبركاته وكرمه ، كثيرة ومتنوعة ومتعددة ، من حرم منها ، وعجز عن نفسه لإدراكها ، فليس له إلا الرغام وهو التراب . بل مع الرغام ليس له من رمضان إلا الجوع والعطش ، كما قال النبي r : (( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش )) .

أيها الأخوة :

حري بالمسلم ، أن يحرص على استغلال لحظات هذا الشهر ، الذي تضاعف فيه الحسنات ، وترفع فيه الدرجات ، ففي الحديث الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه يقول النبي r : (( من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه )) .

إنه رمضان ـ أيها الأخوة ـ الذي صيامه سبب لمغفرة الذنوب ، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه ، عن النبي r : (( من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )) وفي الحديث الذي رواه مسلم أيضا يقول r : (( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )) .

فاتقوا الله ـ عباد الله ـ فيما تبقى من شهركم ، فقد مضى نصفه ، حاسبوا أنفسكم ، وتداركوا تقصيركم ، فماهو إلا أيام ، كما قال تعالى : } أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ { وقد مضى شطر منها .

اسأل الله إن يهدي ضال المسلمين إنه سميع مجيب ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .

أيها المسلمون :

إن شهر رمضان ليس كغيره من شهور العام ، ولكنه لا يكون كذلك إلا لمن قدر له قدره ، وقام بما شرع له ربه U الذي يزين جنته في كل يوم ويقول : (( يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ثم يصيروا إليك )) كما جاء في حديث أبي هريرة t .

فلنحرص ـ أيها الأخوة ـ على ما تبقى من شهرنا ، فلله U عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة من رمضان ، ويغفر U للصائمين في آخر ليلة من رمضان ، وتستغفر الملائكة للصائمين حتى يفطروا ، وتصفد فيه الشياطين ، وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ، ومن فطر صائما كان له مثل أجره ، والعمرة فيه تعدل حجة مع النبيr ، ومن قام خلف إمامه ، حتى ينصرف كتب له قيام ليلة كاملة . وفيه ليلة القدر ، التي هي خير من ألف شهر ، كما قال تبارك وتعالى : } لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ { .

فا الله .. الله .. أخي المسلم ، هاهو رمضان ببركاته وفضله ، بين يديك ، فاحرص على استغلاله والاستفادة منه ، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء ، ولا يكن حظك من صيامك الجوع والعطش .

اسأل الله U أن يعينني وإياك على ذكره وشكره وحسن عبادته ، وأن يجعلني وإياك في هذا الشهر الكريم المبارك ، من عتقائه من النار .

اللهم إنا نسألك وأنت في عليائك ، وأنت الله لا إله إلا أنت ، أن تعتق رقابنا من النار ، ورقاب آبائنا وأمهاتنا ، وترحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء واحشرنا في زمرة الأتقياء يارب العالمين .

اللهم إن للصائم دعوة مستجابة ، فاللهم إنا نسألك أن تغفر ذنوبنا ، وتستر عيوبنا ، وتهدي قلوبنا ، وتشفي مرضانا ، وترحم موتانا ، وتسدد ديوننا ، وتعافي من ابتليته منا برحمتك يا أرحم الراحمين. } رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {

عباد الله :

} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ { فاذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على وافر نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

 

 

خطبة: وانتصف رمضان للشيخ عبيد الطوياوي

موقع روضة الخطب المنبرية

انشر هذه المادة: facebook twitter

أعلى top الصفحة

 
تابِع @NabilAlawadhy