يا من يريد المغفرة!

2017-06-01 محمد الجابري 1,110

الحمد لله الذي خص بعض مخلوقاته بما شاء من الفضائل ، و الصلاة و السلام على نبيه الأمين ، و بعد 
فيا أخي الحبيب: 
هاهو رمضان على الأبواب قد أتي . 
رمضان : الذي طالما حنت إليه قلوب المتقين . 
رمضان : الذي طالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين. 
وكيف لا تحن القلوب إلى شهر الخير والبركة . 
كيف لا تشتاق القلوب إلى شهر المغفرة و الرحمة.

أخي الحبيب: 
إن هذا الشهر قد خصه الله بخصائص عظيمة ، وميزه الله بفضائل جليلة . 
فهو شهر الصيام ؛ الذي هو ركن من أركان الإسلام . 
الصيام ؛ الذي كل عمل بن آدم له إلا الصوم ، فإنه لله وهو يجزي به . 
إنه شهر تتفتح فيه أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النار. 
إنه شهر تصفد فيه مردة الشياطين .

أخي الحبيب : 
إن من أعظم فضائل رمضان أنه موسم كبير للمغفرة . 
نعم ، المغفرة التي نحتاجها جميعا 
المغفرة : التي من كُتبت له ، فقد كُتب له الخير كله . 
وهل يُمنع العباد من دخول الجنان إلا بسبب عدم المغفرة ؟ 
وهل يَدخل العباد النار إلا بسبب الذنوب التي لم تُغفر؟ 
الذنوب : التي هي سبب لكل بلاء ، ومصيبة . 
الذنوب : التي تُورث في القلب ظلمة ، و وحشة . 
الذنوب : التي تحول بينك و بين ربك و مولاك .

أخي الحبيب : 
يا من يُريد المغفرة : 
يا من أثقلت كواهلَه المعاصي: هاهو موسم من مواسم المغفرة قد أقبل . 
اسمع إلى هذه الأحاديث الصحيحة لتتعرف على أنهار من المغفرة في هذا الشهر الكريم . 
أولا: صيام رمضان 
1-
 عن أبي هريرة  رضي الله عنه   ، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : (( من صام رمضان إيمانا و  احتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) (أخرجه البخاري في صحيحه ) . 
2- وعنه  رضي الله عنه  ، عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال  : (( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن  إذا اجتنبت الكبائر )) ( أخرجه مسلم ) . 
يالها من بشرى عظيمة ، بشرى بالمغفرة ؛ يا من تصوم رمضان ابتغاء وجه الله ، واطلب الأجر من 
الله ، وابشر فالمغفرة وشيكة بإذن الله .

أخي الحبيب : 
إن أردت المغفرة فليكن صومك عن المحرمات قبل أن تصوم عن المباحات ، ليصم سمعك ، وبصرك ، ولسانك ، وكل جوارحك ، فالله قد حرم عليك في نهار رمضان الأكل و الشرب وهما مباحان ، لينبهك على ترك الحرام من باب أولى . 
أما إذا لم تفعل فاسمع إلى هذا الحديث الذي يقول فيه رسول الله  صلى الله عليه وسلم  (( من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه )). 
و استمع إليه ثانية وهو يقول  صلى الله عليه وسلم  (( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع و العطش ، رب قائم ليس له من قيامه النصب والتعب )). 
لا إله إلا الله ؛ كم جاع وكم عطش ، وكم نصب و تعب ، ولكن ليس له شيء من الأجر لأنه لم يصم عن المحرمات .

أخي الحبيب: 
إن الله غني عنك و عن جوعك وعطشك ، و إنما يريد الله منك – من وراء الصيام – تقواه سبحانه و تعالى . 
نعم يا أخي إنما يريد الله التقوى ، و هي الغاية التي من أجلها فرض الله الصيام ] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [. 
فحققِ التقوى حتى تنال المغفرة ، أمسك لسانك ، و غض بصرك ، واحفظ سمعك عن هذه المحرمات حتى تفطر في الجنات بإذن الله .

ثانيا: قيام رمضان : 
3-
 وعن أبي هريرة  رضي الله عنه   عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : ((من قام رمضان إيمانا و  احتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) ( أخرجه البخاري في صحيحه ) . 
سبحان الله ! يا أخي ، إنها ليالي معدودة ، تنصب فيها القدمين لله ، وتصلي لله ، تحصل على هذه المغفرة ، فاعزم بقلبك على قيام رمضان ، واخلص لله . 
بل و اسمع إلى هذه البشارة النبوية ، كما في السنن من حديث أبي ذر رضي الله عنه  
قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : (( إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِب له قيام الليلة )) . 
كم يأتي الشيطان إلى أحدنا فيجعله يأكل عند الإفطار كثيرا ، فإذا ما رام القيام لصلاة التراويح أحس بثقل الجسم ، و أحس بالتعب لأن عقله و ذهنه أصبح عند قدميه ، فهو يراوح بينهما ، لا تلذذا بالعبادة و لكن استثقالا لها . 
كم يأتي الشيطان إلى أحدنا ، فما أن يفرغ من صلاة العشاء ، إلا ويبدأ يذكره بأعماله و أشغاله حتى يترك صلاة التراويح . 
و ربما استخدم مكره معنا ؛ فيزهدنا في صلاة التراويح ، لأنها مستحبة و ليست بواجبة ، أو أن أعمالنا و سعينا في طلب المعيشة أفضل ، أو ربما استخدم أسلوب التسويف ، فيقول لأحدنا لازلت في أول رمضان و أنت متعب من الصيام ، انتظر حتى غد ثم تبدأ في المحافظة على صلاة التراويح من أولها. 
و هكذا يمضي رمضان - ليلة تلو ليلة - و نحن لم نصل إلا القليل من الليالي .

ثالثا: قيام ليلة القدر 
4-
 وعن أبي هريرة  رضي الله عنه   عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : ((من قام ليلة القدر إيمانا و  احتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه )) ( أخرجه البخاري في صحيحه ) . 
ليلة واحدة ، تجتهد فيها بالعبادة ، بالطاعة ، هذه الليلة التي كان النبي  صلى الله عليه وسلم  يعتكف العشر الأواخر من رمضان من أجلها ، والظفر بها _ وهو من قد غفر الله ما تقدم من ذنبه و ما تأخر – فحري بنا - ونحن الذين لم نعلم بعد ما مصيرنا ، ما حالنا يوم القيامة – أن نجتهد في قيام تلك الليلة ، التي قيامها يُعادل قيام أكثر من ثلاث و ثمانين عاما، قال تعالى [ ليلة القدر خير من ألف شهر].

أخي الحبيب : 
والله إن السجلات ملأى بالذنوب و السيئات ، أفلا نغسلها بقيام ليلة واحدة . 
وحتى تدرك هذه الليلة ، فعليك بقيام العشر الأواخر كلها، إن كنت صادقا في طلب المغفرة .

أخي الحبيب : 
إن أنهارا من المغفرة أمامك يوشك أن تجري من أجلك ، فهلا انغمست فيها ، لعلها تطهرك ، لعلها تغسل عنك صحائف ؛ طالما سودتها ، لعلها تكفر ذنوبا ؛ طالما حالت بينك وبين ربك و مولاك.

أخي الحبيب : 
أسباب المغفرة كلها منعقدة لكي يُغفر لك . 
والله – يا أخي - ما فتح الله أبواب الجنان إلا من أجل أن يُدخلك فيها . 
والله ؛ ما غلّق الله أبواب النيران إلا ليُبعدك عنها . 
ما صفّد الله مردة الشياطين إلا لتُقبل عليه ، وعلى طاعته ، التي هي سبب رضاه ، التي هي سبب سعادتك وفلاحك .

أخي الحبيب : 
هل تجد أرحم من ربك و مولاك _ وهو غني عنك و عن طاعتك _ لا و الله لن تجد أبدا . 
انظر كيف يعاملك ، وكيف تعامله . 
تعصيه فيستر عليك ، وتتمادى في المعصية فيحلم عليك ، وتسرف على نفسك في الذنوب و المعاصي فيدعوك للمغفرة والتوبة. يقول تعالى ] قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا ، إنه هو الغفور الرحيم [ . 

أخي الحبيب : 
تأمل هذه الآية ،كم تحبب الله فيها إلى عباده - لا أقول المحسنين ، ولكن المسرفين على أنفسهم - لم يقل الله ( الذين أجرموا ) ، و لم يقل ( الذين عصوا ) ، و لكن قال ( الذين أسرفوا على أنفسهم ) 
، وقبلها نسبك إليه فقال ( يا عبادي ) ليعلمك أنك مهما فعلت من الذنوب 

و مهما أكثرت من المعاصي فإنك لا تزال عبد من عباده . 
ثم أخبرك أن لا تقنط من رحمته ، و أعلم بأن الله يغفر كل الذنوب كلها – مهما عظمت – إذا تبت منها . 
وهل شهر رمضان وما فيه من أسباب المغفرة إلا من أجلك ، ومن أجل محو ذنوبك . 
إن غفران الذنوب أمنية الصالحين ، فهذا عبد الله بن مسعود يقول : ( وددت لو أن الله غفر لي ذنبا واحدا وأن لا يُعرف لي نسب ، وددت أني عبد الله بن روثة ، و أن الله غفر لي ذنبا واحدا ). 
و لكن سبحان الله ! فهناك من المسلمين من لا يريد المغفرة والرحمة ، جعلوا رمضان موسما للعب 
واللهو ، قضوا أيامه في الحرام ، وسهروا لياليه في المعاصي ، زادت ذنوبهم ذنوبا ، وزادت صحائفهم سوادا. 
ألا فليتذكر أولئك حديث جابر بن سمرة  رضي الله عنه  قال : قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  : (( أتاني جبريل ، فقال : يا محمد ، من أدرك أحد أبويه فمات فدخل النار فأبعده الله ، قل : آمين ، فقلت : آمين . 
يا محمد ، من أدرك شهر رمضان ، فمات و لم يُغفر له فأدخل الله النار ، فأبعده الله ، فقل : آمين ، فقلت : آمين . و من ذُكرت عنده فلم يصلي عليك ، فمات فدخل النار فأبعده الله ، فقل : آمين ، فقلت آمين )) 
(رواه الطبراني ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله)

لا إله إلا الله ! يا أخي ؛ انظر من الداعي و من المؤمن ، الداعي جبريل خير الملائكة ، والمؤمن محمد صلى الله عليه وسلم  خير البشر ، فالدعاء مستجاب لا محالة .

أخي الحبيب: 
هل سألت نفسك لمن هذه الفضائل كلها ؟ 
أهي للملائكة ؟ 
أم هي للبهائم و الحيوانات ؟ 
كلا و الله ، يا أخي الحبيب. 
إنها و الله ، لك ، و من أجلك . 
نعم ، الله فتح أبواب الجنة لك ، وغلق أبواب النار من أجلك ، وصفد مردة الشياطين لتقبل عليه . 
كم من ملك مقرب ليس له (( و لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك )).

يا أخي: 
أيام رمضان أيام مغفرة ، ورحمة ، أيام رمضان أيام محو للسيئات .

يا أخي : 
أما آن أن تُغفر الذنوب . 
أما آن أن تُمحى الخطايا . 
يا طالب المغفرة : هاهي أسبابها أمامك ، هاهي بين يديك . 
ولم أكسب به إلا الذنوبــــا يُحير هولُ مصرعه اللبيبـــا بيوم يجعلُ الولدان شيبــــا و أصبحت الجبال به كثيبـــا حسير الطرف عريانا سليبــا إذا ما أبدت الصحفُ العيوبــا أكون به على نفسي حسيبــا إذا زفرت و أقلقت القلوبـــا على من كان ظلاما مربيـــا خطاه أما آن الأوان لأن تتوبـا فيا أسفي على عمر تـــقضى واحذرُ أن يُعاجلني ممــــاتو يا حزناه من حشري ونشري تفطرت السماء به و مـــارت إذا ما قمت حيران ظمئــــا و يا خجلاه من قبح اكتسابـي و ذلة موقف و حساب عــدل ويا حذراه من نار تلظــــى تكاد إذا بدت تنشق غيظـــا فيا من مد في كسب الخطايـا

أخي الحبيب: 
إن الله يحب أن يغفر لعباده [ والله يريد أن يتوب عليكم ] ، ولكن الله لا يُعطي المغفرة إلا لمن يستحقها .

يا أخي : 
إن لم يُغفر لنا في رمضان – وقد انعقدت أسبابها – فمتى يغفر لنا ؟ 
إن لم يتب الله علينا في رمضان ، فمتى يتاب علينا ؟

أخي الحبيب : 
لا تحقر من الذنوب شيئا ، فلقد أدخل الله امرأة النار بسبب حبس هرة . 
فإياك ، إياك أن تتهاون في ذنب أو معصية ، لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

أخي الحبيب : 
هلما إلي شهر المغفرة ، إلي شهر الرحمة ، اجتهد بالعبادة ، أكثر من الطاعة ، ابتعد عن المعاصي ، فلا سبيل إلي المغفرة إلا بهذا الطريق . 
أسأل الله أن يبلغنا و إياك رمضان ، وأن يوفقنا فيه للصالحات ، وأن يغفر لنا أجمعين . 

 

منقول ـ موقع صيد الفوائد

 

انشر هذه المادة: facebook twitter

أعلى top الصفحة

 
تابِع @NabilAlawadhy