أريد أن أتوب ولكن.....

2003-03-26 غير معروف 6,880
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، أما بعد،،،

فإن الله أمر المؤمنين جميعاً بالتوبة ، فقال : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (31) سورة النور . وقسَّم العباد إلى تائب وظالم، وليس ثم قسم ثالث البتة، فقال عز وجل:(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)َ(11) سورة الحجرات. وهذا أوان بعُد فيه كثير من الناس عن دين الله، فعمت المعاصي وانتشر الفساد، حتى ما بقي أحد لم يتلوث بشيء من الخبائث إلا من عصم الله ، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، فانبعث الكثيرون من غفلتهم ورقادهم، وأحسوا بالتقصير في حق الله، وندموا على التفريط والعصيان، فتوجهت ركائبهم ميممة شطر منار التوبة، وآخرون سئموا حياة الشقاء وضنك العيش، وهاهم يتلمسون طريقهم للخروج من الظلمات إلى النور، لكن تعترض طريق ثلة من هذا الموكب عوائق يظنونها تحول بينهم وبين التوبة، منها ما هو في النفس، ومنها ما هو في الواقع المحيط ، ولأجل ذلك كتبت هذه الرسالة آملاً أن يكون فيها توضيح للبسٍ، وكشف لشبهة، أو بيان لحكم، ودحر للشيطان .






خطر الاستهانة بالذنوب
مصيبة كثير من الناس اليوم أنهم لا يرجون لله وقاراً، فيعصونه بأنواع الذنوب ليلاً ونهاراً،ومنهم طائفة ابتلوا باستصغار الذنوب، فترى أحدهم يحتقر في نفسه بعض الصغائر، فيقول مثلاً: وماذا تضر نظرة، أو مصافحة أجنبية ، ويتسلون بالنظر إلى المحرمات في المجلات والمسلسلات، حتى أن بعضهم يسأل باستخفاف إذا علم بحرمة مسألة: كم سيئة فيها ؟ أهي كبيرة أم صغيرة ؟ فإذا علمت هذا الواقع الحاصل فقارن بينه وبين الأثرين التاليين من صحيح الإمام البخاري رحمه الله:


عن أنس رضي الله عنه قال:"إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ" والموبقات هي المهلكات .


عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا - أي بيده فذبه عنه- " .

وهل يقدر هؤلاء خطورة الأمر إذا قرأوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ] رواه أحمد، صحيح الجامع 2686 . وقد ذكر أهل العلم أن الصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف من الله، مع الاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر بل يجعلها في رتبتها، ولأجل ذلك لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار . ونقول لمن هذه حاله: لا تنظر إلى صغر المعصية ولكن انظر إلى من عصيت .

شروط التوبة ومكملاتها

كلمة التوبة كلمة عظيمة، لها مدلولات عميقة، لا كما يظنها الكثيرون، ألفاظ باللسان ثم الاستمرار على الذنب، وتأمل قوله تعالى:}وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ...(3){ سورة هود. تجد أن التوبة هي أمر زائد على الاستغفار؛ ولأن الأمر العظيم لابد له من شروط، فقد ذكر العلماء شروطاً للتوبة مأخوذة من الآيات والأحاديث، وهذا ذكر بعضها:

الأول: الإقلاع عن الذنب فوراً .

الثاني: الندم على ما فات .

الثالث: العزم على عدم العودة .

الرابع: إرجاع حقوق من ظلمهم، أو طلب البراءة منهم .

وذكر بعض أهل العلم تفصيلات أخرى لشروط التوبة النصوح، نسوقها مع بعض الأمثلة:

الأول: أن يكون ترك الذنب لله لا لشيء آخر، كعدم القدرة عليه أو على معاودته، أو خوف كلام الناس مثلاً، وكذلك لا يسمى تائباً من عجز عن فعل معصية لأمر خارج عن إرادته، كالكاذب إذا أصيب بشلل أفقده النطق، أو الزاني إذا فقد القدرة على الوِقاع، أو السارق إذا أصيب بحادث أفقده أطرافه، بل لابد لمثل هذا من الندم والإقلاع عن تمني المعصية أو التأسف على فواتها ولمثل هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:[النَّدَمُ تَوْبَةٌ] رواه أحمد وابن ماجه ، صحيح الجامع 6802 .

والله نزّل العاجز المتمني بالقول منزلة الفاعل، ألا تراه صلى الله عليه وسلم قال:[ إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حَقَّهُ قَالَ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا قَالَ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ قَالَ وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ قَالَ وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ قَالَ هِيَ نِيَّتُهُ فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ] رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه صحيح الترغيب والترهيب 1/9 .


الثاني: أن يستشعر قبح الذنب وضرره، وهذا يعني أن التوبة الصحيحة لا يمكن معها الشعور باللذة والسرور حين يتذكر الذنوب الماضية، أو أن يتمنى العودة لذلك في المستقبل .

الثالث: أن يبادر العبد إلى التوبة، ولذلك فإن تأخير التوبة هو في حد ذاته ذنب يحتاج إلى توبة .

الرابع: أن يخشى على توبته من النقص، ولا يجزم بأنها قد قبلت، فيركن إلى نفسه، ويأمن مكر الله .

الخامس: استدراك ما فات من حق الله إن كان ممكناً، كإخراج الزكاة التي منعت في الماضي لما فيها من حق الفقير كذلك .

السادس: أن يفارق موضع المعصية إذا كان وجوده فيه قد يوقعه في المعصية مرة أخرى .

السابع: أن يفارق من أعانه على المعصية، وهذا والذي قبله من فوائد حديث قاتل المائة، وسيأتي سياقه . والله يقول:}الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ(67){ سورة الزخرف. وقرناء السوء سيلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة، ولذلك: عليك أيها التائب بمفارقتهم ونبذهم ومقاطعتهم والتحذير منهم إن عجزت عن دعوتهم، ولا يستجرينك الشيطان، فيزين لك العودة إليهم من باب دعوتهم، وأنت تعلم أنك ضعيف لا تقاوم، وهناك حالات كثيرة رجع فيها أشخاص إلى المعصية بإعادة العلاقات مع قرناء الماضي .

الثامن: إتلاف المحرمات الموجودة عنده مثل: المسكرات، وآلات اللهو كالعود والمزمار، أو الصور والأفلام المحرمة، والقصص الماجنة والتماثيل، وهكذا فينبغي تكسيرها، وإتلافها، أو إحراقها . ومسألة خلع التائب على عتبة الاستقامة جميع ملابس الجاهلية لابد من حصولها، وكم من قصة كان فيها إبقاء هذه المحرمات عند التائبين سبباً في نكوصهم ورجوعهم عن التوبة وضلالهم بعد الهدى، نسأل الله الثبات .

التاسع: أن يختار من الرفقاء الصالحين من يعينه على نفسه، ويكون بديلاً عن رفقاء السوء، وأن يحرص على حلق الذكر ومجالس العلم، ويملأ وقته بما يفيد؛ حتى لا يجد الشيطان لديه فراغاً ليذكره بالماضي .

العاشر: أن يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت، فيصرف طاقته في طاعة الله، ويتحرى الحلال حتى ينبت له لحم طيب .

الحادي عشر: أن تكون التوبة قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها: والغرغرة الصوت الذي يخرج من الحلق عند سحب الروح، والمقصود أن تكون التوبة قبل القيامة الصغرى والكبرى؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:[ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ] رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد ، صحيح الجامع 6132 . وقوله صلى الله عليه وسلم:[ مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ] رواه مسلم وأحمد .


التوبة تمحو ما قبلها:


من يضمن لي مغفرة الله؟

وقد يقول قائل: أريد أن أتوب ولكن: من يضمن لي مغفرة الله إذا تبت وأنا راغب في سلوك طريق الاستقامة، ولكن يداخلني شعور بالتردد، ولو أني أعلم أن الله يغفر لي لتبت ؟

فأقول له: ما داخلك من المشاعر داخل نفوس أناس قبلك من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تأملت في هاتين الروايتين بيقي؛ن لزال ما في نفسك إن شاء الله:

الأولى : قصة إسلام عمرو بن العاص رضي الله عنه، وفيها:فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ:[ مَا لَكَ يَا عَمْرُو] قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ قَالَ:[ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا ] قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ:[ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ] رواه مسلم وأحمد .

والثانية: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ: }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ(68){ سورة الفرقان ، وَنَزَلَتْ:}قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ(53){ سورة الزمر .

هل يغفر الله لي ؟

وقد تقول أريد أن أتوب ولكن: ذنوبي كثيرة جداً ولم أترك نوعاً من الفواحش إلا واقترفته، ولا ذنباً تتخيله، أو لا تتخيله إلا ارتكبته لدرجة أني لا أدري هل يمكن أن يغفر الله لي ما فعلته في تلك السنوات الطويلة؟

وأقول لك أيها الأخ الكريم: هذه ليست مشكلة خاصة بل هي مشكلة كثير ممن يريدون التوبة، وأذكر مثالاً عن شاب وجه سؤالاً مرة بأنه قد بدأ في عمل المعاصي من سن مبكرة، وبلغ السابعة عشرة من عمره فقط، وله سجل طويل من الفواحش كبيرها وصغيرها بأنواعها المختلفة مارسها مع أشخاص مختلفين: صغاراً وكباراً حتى اعتدى على بنت صغيرة، وسرق عدة سرقات، ثم يقول: تبت إلى الله عز وجل، أقوم وأتهجد بعض الليالي، وأصوم الاثنين والخميس، وأقرأ القرآن الكريم بعد صلاة الفجر فهل لي من توبة ؟

والمبدأ عندنا أهل الإسلام أن نرجع إلى الكتاب والسنة في طلب الأحكام والحلول والعلاجات، فلما عدنا إلى الكتاب؛ وجدنا قول الله عز وجل: }قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ (54){ سورة الزمر . فهذا الجواب الدقيق للمشكلة المذكورة وهو واضح لا يحتاج إلى بيان .


أما الإحساس بأن الذنوب أكثر من أن يغفرها الله فهو ناشيء عن:


عدم يقين العبد بسعة رحمة ربه .

ونقص في الإيمان بقدرة الله على مغفرة جميع الذنوب .


وضعف عمل مهم من أعمال القلوب هو الرجاء .

وعدم تقدير مفعول التوبة في محو الذنوب...

ونجيب عن كل منها:

فأما الأول: فيكفي في تبيانه قول الله تعالى: }وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156){ سورة الأعراف. وأما الثاني: فيكفي فيه الحديث القدسي الصحيح:[ قال تعالى من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً ]رواه الطبراني في الكبير والحاكم، صحيح الجامع 4330 . وذلك إذا لقي العبد ربه في الآخرة .

وأما الثالث: فيعالجه هذا الحديث القدسي العظيم:[ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً] رواه الترمذي، صحيح الجامع 4338 .

وأما الرابع: فيكفي فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:[التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ] رواه ابن ماجه، صحيح الجامع 3008 .

توبة قاتل المائة

وإلى كل من يستصعب أن يغفر الله له فواحشه المتكاثرة نسوق هذا الحديث: عَنْ النَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:[ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ لَا فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ ]رواه البخاري ومسلم . [نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ] فهل ترى الآن يا من تريد التوبة أن ذنوبك أعظم من هذا الرجل الذي تاب الله عليه، فلم اليأس ؟

بل إن الأمر أيها المسلم أعظم من ذلك، تأمل قول الله تعالى:}وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68)يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69)إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(70)وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا(71){ سورة الفرقان . ووقفة عند قوله:}فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ{ تبين لك فضل الله العظيم، قال العلماء التبديل هنا نوعان:


الأول: تبديل الصفات السيئة بصفات حسنة كإبدالهم بالشرك إيماناً وبالزنا عفة وإحصاناً...وهكذا . والثاني: تبديل السيئات التي عملوها بحسنات يوم القيامة، وتأمل قوله تعالى: }يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ{ ولم يقل: مكان كل سيئة حسنة، فقد يكون أقل، أو مساوياً، أو أكثر في العدد أو الكيفية، وذلك بحسب صدق التائب، وكمال توبته، فهل ترى فضلاً أعظم من هذا الفضل ؟!

وانظر إلى شرح هذا الكرم الإلهي في الحديث الجميل: عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:" أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة- أي: صغيرة ولا كبيرة- إلا أتاها- وفي رواية: إلا اقتطعها بيمينه- لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل لذلك من توبة ؟ قال:[ فهل أسلمت] قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله . قال:[ تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله لك خيرات كلهن ] قال: وغدراتي وفجراتني، قال: [ نعم ] قال: الله أكبر فما زال يكبر حتى توارى". قال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار بنحوه ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط وهو ثقة، وقال المنذري: إسناده جيد قوي، وقال ابن حجر في الإصابة: هو على شرط الصحيح . فهذه الذنوب تغفر، وهذه السيئات تبدل حسنات، وهذه الحسنات أيام الجاهلية تثبت لصاحبها بعد التوبة، فماذا بقي !

كيف أفعل إذا أذنبت؟


فالجواب:ما ينبغي أن يحصل بعد الإقلاع عملان:

الأول: عمل القلب بالندم والعزم على عدم العودة، وهذه تكون نتيجة الخوف من الله .

الثاني: عمل الجوارح بفعل الحسنات المختلفة، ومنها صلاة التوبة، وهذا نصها:[مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ- ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ }وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ...(135){ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو في صحيح الترغيب والترهيب. ثم الإكثار من الحسنات والطاعات، وتأمل في المثل الوارد في هذا الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم:[إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع- أي: لباس من حديد يرتديه المقاتل ضيقة- قد خنقته، ثم عمل حسنة فانفكت حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت الأخرى حتى يخرج إلى الأرض ] رواه الطبراني في الكبير، صحيح الجامع 2192 . فالحسنات تحرر المذنب من سجن المعصية، وتخرجه إلى عالم الطاعة الفسيح.


أهل السوء يطاردوني
وقد تقول: أريد أن أتوب ولكن أهل السوء من أصحابي يطاردونني في كل مكان، وما أن علموا بشيء من التغير عندي حتى شنوا عليّ حملة شعواء وأنا أشعر بالضعف فماذا أفعل ؟!

ونقول لك: اصبر فهذه سنة الله في ابتلاء المخلصين من عباده؛ ليعلم الصادقين من الكاذبين وليميز الله الخبيث من الطيب . وما دمت وضعت قدميك على بداية الطريق فاثبت، وهذه أزمة عارضة، فهل ربك أولى بالطاعة أم ندماء السوء ؟! وعليك أن تعلم أنهم سيطاردونك في كل مكان، وسيسعون لردك إلى طريق الغواية بكل وسيلة، وهنالك: }يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ...(27){ سورة إبراهيم.
سيسعون إلى تذكيرك بالماضي وتزيين المعاصي السابقة لك بكل طريقة، ذكريات .. توسلات .. صور .. ورسائل .. فلا تطعهم واحذرهم أن يفتنوك . وتذكر هنا قصة كعب بن مالك الصحابي الجليل، لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة جميعاً بمقاطعته؛ لتخلفه عن غزوة تبوك حتى يأذن الله، أرسل إليه ملك غسان الكافر رسالة يقول فيها: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ " يريد الكافر استمالة المسلم حتى يخرج من المدينة ويضيع هناك في ديار الكفر .

ما هو موقف الصحابي الجليل قال كعب:"فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا" رواه البخاري ومسلم. وهكذا اعمد أنت أيها المسلم من ذكر أو أنثى إلى كل ما يرسل إليك من أهل السوء، فاحرقه حتى يصير رماداً، وتذكر وأنت تحرقه نار الآخرة .


إنهم يهددونني
أريد أن أتوب ولكن أصدقائي القدامى يهددونني بإعلان فضائحي بين الناس، ونشر أسراري على الملأ، إن عندهم صوراً ووثائق، وأنا أخشى على سمعتي... إني خائف !!

ونقول: جاهد أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً، فهذه ضغوط أعوان إبليس تجتمع عليك كلها، ثم لا تلبث أن تتفرق وتتهاوى أمام صبر المؤمن وثباته . واعلم أنك إن سايرتهم ورضخت لهم فسيأخذون عليك مزيداً من الإثباتات، فأنت الخاسر أولاً وأخيراً، لكن لا تطعهم واستعن بالله عليهم، وقل حسبي الله ونعم الوكيل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خاف قوماً قال:[اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ] رواه أحمد وأبو داود، صحيح الجامع 4582 . صحيح أن الموقف صعب، ولكن الله مع المتقين، ومع التائبين، وهو ولي المؤمنين، لا يخذلهم ولا يتخلى عنهم، وما لجأ عبد إليه فخاب أبداً، واعلم أن مع العسر يسراً، وأن بعد الضيق فرجاً . وإليك أيها الأخ التائب هذه القصة المؤثرة شاهداً واضحاً على ما نقول: إنها قصة الصحابي الجليل مرثد بن أبي مرثد الغنويّ الفدائي الذي كان يهرب المستضعفين من المسلمين من مكة إلى المدينة سراً . " كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ وَكَانَ رَجُلًا يَحْمِلُ الْأَسْرَى مِنْ مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ قَالَ وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا عَنَاقٌ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لَهُ وَإِنَّهُ كَانَ وَعَدَ رَجُلًا مِنْ أُسَارَى مَكَّةَ يَحْمِلُهُ قَالَ فَجِئْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ قَالَ فَجَاءَتْ عَنَاقٌ فَأَبْصَرَتْ سَوَادَ ظِلِّي بِجَنْبِ الْحَائِطِ فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْهُ فَقَالَتْ مَرْثَدٌ فَقُلْتُ: مَرْثَدٌ فَقَالَتْ مَرْحَبًا وَأَهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدَنَا اللَّيْلَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا عَنَاقُ حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنَا قَالَتْ يَا أَهْلَ الْخِيَامِ هَذَا الرَّجُلُ يَحْمِلُ أَسْرَاكُمْ قَالَ: فَتَبِعَنِي ثَمَانِيَةٌ وَسَلَكْتُ الْخَنْدَمَةَ فَانْتَهَيْتُ إِلَى كَهْفٍ أَوْ غَارٍ فَدَخَلْتُ فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فَبَالُوا فَظَلَّ بَوْلُهُمْ عَلَى رَأْسِي وَأَعْمَاهُمْ اللَّهُ عَنِّي قَالَ ثُمَّ رَجَعُوا وَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَحَمَلْتُهُ وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِذْخِرِ فَفَكَكْتُ عَنْهُ كَبْلَهُ فَجَعَلْتُ أَحْمِلُهُ وَيُعْيِينِي حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْكِحُ عَنَاقًا فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ } الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[يَا مَرْثَدُ} الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ{ فَلَا تَنْكِحْهَا] رواه الترمذي والنسائي صحيح سنن الترمذي 3/80 . هل رأيت كيف يدافع الله عن الذين آمنوا وكيف يكون مع المحسنين؟ وعلى أسوأ الحالات لو حصل ما تخشاه أو انكشفت بعض الأشياء واحتاج الأمر إلى بيان فوضح موقفك للآخرين وصارحهم، وقل نعم كنت مذنباً، فتبت إلى الله فماذا تريدون ؟ ولنتذكر جميعاً أن الفضيحة الحقيقة هي التي تكون بين يدي الله يوم القيامة، يوم الخزي الأكبر، ليست أمام مائة أو مائتين ولا ألف أو ألفين، ولكنها على رءوس الأشهاد، أما الخلق كلهم من الملائكة والجن والإنس، من آدم وحتى آخر رجل . فهلم إلى دعاء إبراهيم: }وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87)يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(89){ سورة الشعراء . وتحصن في اللحظات الحرجة بالأدعية النبوية: [اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا] ،[ اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا] .

ذنوبي تنغص معيشتي
وقد تقول: إني ارتكبت من الذنوب الكثير، وتبت إلى الله، ولكن ذنوبي تطاردني، وتذكري لما عملته ينغص عليّ حياتي، ويقض مضجعي، ويؤرق ليلي ويقلق راحتي، فما السبيل إلى إراحتي؟

فأقول لك أيها الأخ المسلم، إن هذه المشاعر هي دلائل التوبة الصادقة، وهذا هو الندم بعينه، والندم توبة، فالتفت إلى ما سبق بعين الرجاء، رجاء أن يغفر الله لك، ولا تيأس من روح الله، ولا تقنط من رحمة الله، والله يقول: }وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ(56){ سورة الحجر.

قال ابن مسعود رضي الله عنه:" أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله" رواه عبد الرزاق وصححه الهيثمي وابن كثير . والمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، وقد يُغلِّب أحدهما في بعض الأوقات لحاجة، فإذا عصى؛ غلَّب جانب الخوف ليتوب، وإذا تاب؛ غلَّب جانب الرجاء يطلب عفو الله .

هل اعترف ؟
وسأل سائل بصوت حزين: أريد أن أتوب، ولكن هل يجب عليّ أن أذهب وأعترف بما فعلت من ذنوب ؟ وهل من شروط توبتي أن أقر أمام القاضي في المحكمة بكل ما اقترفت، وأطلب إقامة الحد عليّ ؟

فأقول لك أيها الأخ المسلم: اتصال العبد بربه دون وسائط من مزايا هذا التوحيد العظيم، الذي ارتضاه الله}وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ(186){ سورة البقرة. وإذا آمنا أن التوبة لله؛ فإن الاعتراف هو لله أيضاً، وفي دعاء سيد الاستغفار:[ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ] رواه البخاري أي: أعترف لك يا الله . ولسنا ولله الحمد مثل النصارى: قسيس وكرسي اعتراف وصك غفران .. إلى آخر أركان المهزلة... بل إن الله يقول:} أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ (104){ سورة التوبة أي: عن عباده دون وسيط . أما بالنسبة لإقامة الحدود: فإن الحد إذا لم يصل إلى الإمام، أو الحاكم، أو القاضي، فإنه لا يلزم الإنسان أن يأتي ويعترف، ومن ستر الله عليه لا بأس أن يستر نفسه، وتكفيه توبته فيما بينه وبين الله، ومن أسمائه سبحانه: الستِّير وهو يحب الستر على عباده، أما أولئك الصحابة مثل ماعز والمرأة اللذان زنيا والرجل الذي قبل امرأة في بستان، فإنهم رضي الله عنهم فعلوا أمراً لا يجب عليهم، وذلك من شدة حرصهم على تطهير أنفسهم بدليل أنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه ماعز أعرض عنه وعن المرأة في البداية، وكذلك قول عمر للرجل الذي قبّل امرأة في بستان:" لقد ستر الله عليه لو ستر نفسه" وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم إقراراً .


وعلى هذا فلا يلزم الذهاب للمحكمة لتسجيل الاعترافات رسمياً إذا أصبح العبد وقد ستره ربه، ولا يلزم كذلك الذهاب إلى إمام المسجد وطلب إقامة الحد، ولا الاستعانة بصديق في الجلد داخل البيت، كما يخطر في أذهان البعض .


أريد أن أتوب ولكن - للشيخ/ محمد المنجد
انشر هذه المادة: facebook twitter

أعلى top الصفحة

 
تابِع @NabilAlawadhy